الحياة قصاصات على الجدار.. ذاكرة ملص وإيقاع قيس

كاتبة، ناقدة وباحثة سينمائية . شاركت في تأسيس صحيفة الأسبوع المصرية وكتبت في مجالات عدة بها وشغلت منصب رئيس قسم الفن ونائب رئيس التحرير.
٢٣ يونيو ٢٠١٩ - ١٢:٢٧ م
قيس-الزبيدى
قيس-الزبيدى
كيف يتخذ السينمائي كل تدابيره لصناعة الصورة عابراً من واقعه، كيف يفلت من حُراس مجتمعه المخلصين لكل القيم الكلاسيكية، ويتحرر من الكليشيهات المتعددة والمتراكمة، ويصبح مديراً لموهبته؛ يعيد بناء العالم مثل لعبة "البازل"، صور متراصة يرتبها وفق وعيه وحلمه وتوازنه بين المتوقع والمباغت؟
لا أعرف لماذا طوقني هذا السؤال فيما كنت أتجول في شوارع بيروت مؤخراً، ربما لأنها مدينة مثيرة، سيرتها تقطع الأنفاس وسينماها على الأغلب تتعاظم بين الحرب والتمرد، وربما لأنها كانت مَعْبراً لسينمائيين كبار من أمثال "قيس الزبيدي" الذي داهمني اسمه على غلاف كتاب معروض في مكتبة أنطوان بشارع الحمرا: "قيس الزبيدي،
كل مقالات الكاتب

(1) "عشان بختي أنا.. بتاع الكلب يلبس باشا، والباشا يلبس لي جنايني/ أنا كده.. حظي كده.. ربنا خلقني كده"، سبعون عاماً منذ رحيله في الثامن من يونيو 1949، وما زالت عباراته الشهيرة هذه تحمل من الطزاجة نصيباً كبيراً؛ كما لو أنه نطقها بالأمس أو أن "غزل البنات"، فيلمه الذي لم يشهده لا يزال معروضاً في صالات السينما، إنها مفاتيح الدخول إلى عالمه الذي لا موت فيه، فصوت نجيب الريحاني المشروخ بالسخرية، هو دليل حضوره الدائم وامتثال الواقع للخيال، إيقاع الصوت يبدو كأن صاحبه يصافح أحزانه وعذاباته ويحسم معادلة حياته بعبارات ميزته واختصرت كل جروحه الصغيرة والكبيرة، فلم تكن مجرد كلام عابر في عمل فني حفظناها بالتكرار قدر ما كانت إشارة من إشارات الريحاني الذي علمنا كيف نشهر كل أسلحة السخرية كما نشاء وننفض الدخان عن رئتنا، وهي أيضاً العبارات الوجودية التي تتقاطع مع مشوار حياة فنان اشتعل تاريخه وتوهج بحزن لياليه الطويلة، فكرس لصورته الاستثنائية في مخيلة الناس، وأكد أسطورته التي لم تخنه وتشيخ أو تموت بل عاشت طويلاً.